ابن عجيبة
74
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الصوارف فقال : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ؟ إيذانا بأن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية ، وأن الأعذار قد انقطعت . ه ولذلك لما سمعها الفاروق رضى اللّه عنه حين نزلت ، قال : ( قد انتهينا يا ربنا ) . وبهذا الآية وقع تحريم الخمر ، وقد كان حلالا قبلها ، بدليل سكوته صلّى اللّه عليه وسلّم على شربها قبل نزول الآية ، فإن قلت : حفظ العقول من الكليات الخمس التي اتفقت الشرائع على تحريمها ؟ قلنا : لا حكم قبل الشرع ، بل الأمر موقوف إلى وروده ، ولما طالت الفترة ، وانقطعت الشرائع عند العرب ، رجعت الأشياء إلى أصلها من الإباحة بمقتضى قوله تعالى : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 1 » ، حتى جاءت الشريعة المحمدية فحرمتها كالشرائع قبلها ، فكانت حينئذ حراما ، ودخلت في الكليات الخمس التي هي : حفظ العقول والأبدان والأموال والأنساب والأديان . ثم أكد ذلك أيضا بقوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما أمر ونهى ، وَاحْذَرُوا غضبهما إن خالفتم ، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أو أعرضتم عن طاعتهما فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ؛ لا تضره مخالفتكم ، إنما عليه البلاغ وقد بلغ . الإشارة : المقصود هو النهى عن كل ما يصد عن اللّه أو يشغل العبد عن شهود مولاه ، وخص هذه الأربعة ، لأنها أمهات الخطايا ومنبع الغفلة والبلايا ، فالخمر فيه فساد العقل الذي هو محل الإيمان ، والميسر فيه فساد المال وفساد القلب بالعداوة والشحناء ، وفساد الفكر لاستعماله في الهوى ، والأنصاب فيه فساد الدين الذي هو رأس المال ، والأزلام فيه الفضول والاطلاع على علم الغيب ، الذي هو سر الربوبية ، وهو موجب للمقت والعطب ، والعياذ باللّه . ثم عفا عما سلف من الخمر والميسر قبل التحريم ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 93 ] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 93 ) يقول الحق جل جلاله : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ أي : إثم فِيما طَعِمُوا من الخمر والميسر قبل التحريم ، إِذا مَا اتَّقَوْا أي : إذا اتقوا الشرك ، وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا المحرمات وَآمَنُوا أي : حققوا مقام الإيمان ، ثُمَّ اتَّقَوْا الشبهات والمكروهات وَأَحْسَنُوا أي : حصلوا مقام الإحسان ، وهو إتقان العبادة ، وتحقيق العبودية ، ومشاهدة عظمة الربوبية ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أي : يقربهم
--> ( 1 ) من الآية 29 من سورة البقرة .